الاثنين، 7 سبتمبر 2015

اللاجئون السوريون وأزمة الإنسانية

اللاجئون السوريون وأزمة الإنسانية
بحثاً عن إجابات
ميساء أبو هلال

أعلن آذار 2011 ميلاد حلمٍ جديد بالحريّة، حرية سوريا وإنسانها، أو هذا ما أأملناه قبل أن يتفرّق دم الحلم وتشتت البوصلة ليتشتت بذلك أكثر من خمسة ملايين إنسان سوريّ.
كثر الحديث والأخذ والرد وتهشيم كل طرف للآخر، وادعاء طرف ما أنه الأكثر عقلانية وتأكيد آخر أن الخطب جلل. وأنا بين كل هذه الآراء حينًا ومع أحدها أحيانًا، ولكن لا بد أن توضع الأمور في نصابها وأن ننظر للأمر بشمولية قد الإمكان.
لن أدعي أنني “سأخترع العجلة” ولكنني أحاول، أبحث وأسأل، واليوم أكتب لعلي أفهم. في هذا المقال سأحاول الإجابة على أسئلة أرقتني حول أزمة اللاجئين السوريين، أعدادهم ووجهتهم، وفهم دور كل من دول الجوار والدول الأوروبية في هذا الشأن، وعن سبب طرح سؤال اللاجئين اليوم.

لماذا الحديث عن اللاجئين اليوم؟ الآن فقط "فهمتم"، يسأل البعض ؟

هذا سؤال طُرح كثيراً، وإذا ما أخذته بمحمل سلبي فإني سأصفه بالعدمية، إذ أن بعض الناس إذا ما رأوا باب سؤال تطرق أبوابه وقضية تخضع للنقاش إلا وعاجلونا بكلام من نوع: لماذا الآن؟ ألم تبدأ قضية اللاجئين منذ بداية الثورة؟ ويجلدون من حولهم في سلبية تحرمنا من أي فرصة للتقدم.
أطالب دوماً بالمراجعات، ولكن تلك المراجعات والمحاسبات التي من شأنها أن تدفع لتغيير الحال، تشجعنا على أن نصنع معروفاً، ولو كان أن نغرس فسيلة أو أن نروي فكرة تدفعنا لنحلم ونعمل.
الحديث عن أزمة اللاجئين اليوم ازداد، وليس صحيحاً ادعاء البعض أنه وليد اليوم، في ظل ارتفاع ملحوظ في أعداد اللاجئين، وكما أشرنا سابقاً فإنه من المرجح أن تزيد معدلات الهجرة أكثر. وبالرغم من أن قضية اللاجئين قد طرقت أبواب مسامعنا منذ بدء الثورة، إلا أن المساواة بين تلك المرحلة  وحالهم اليوم هو خطأ منهجي أمام بحث عن حل مناسب.
الحديث عن أزمة اللاجئين:
الأرقام/ الأرواح:
بحسب تقرير مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بتاريخ 29 أغسطس 2015 فإن عدد اللاجئين السوريين بلغ 4 ملايين و88 ألف لاجئ (49.5%) ذكوراً و (50.5%) إناثا على اختلاف فئاتهم العمرية، في حين تشير الإحصائيات قبل ذلك بثلاث سنوات ومع بدء الأزمة السورية أن العدد لم يتجاوز العدد 193,513 لاجئ، وبعدها بعام بلغ عدد اللاجئين 1,830,557 (مليون و800 ألف) لاجئ تقريباً. وفي 2014 بلغت الزيادة أكثر من مليون لاجئا ليصل العدد إلى 2,965,880. بين عامي 2014 و2015 تتضاعف العدد ليصل لما وصل إليه اليوم. [1]

ما أود تأكيده من كل ما قد يبدو (أرقاماً) هو حقيقة بديهية ولكننا ننساها أحيانا، مفادها أن أزمة اللاجئين ليست وليدة اليوم بل تفاقمت تدريجياً وبأشكال شتى لتبدو اليوم وكأنها تفجرت فجأة في عين من لم يتابعوا الأمر من قبل، وكانوا بحاجة لـخمسة ملايين لاجئ لينتبهوا.  
الوجهة/ أين المفر؟
·         دول الجوار:
تشير التقارير[3] أنه في أبريل/مايو 2011 بدأت حرجة البحث عن اللجوء وكان أكثر المهاجرين من النساء والأطفال متجهين إلى لبنان. تركيا كانت الوجهة الثانية زمانياً مع مطلع يونيو 2011، تلتها الأردن في يوليو ليصل عدد اللاجئين الذين استقبلتهم مع نهاية العام إلى ألفي لاجئ.

في نوفمبر من نفس العام أعلنت تركيا ترحيبها بأعداد كبيرة من اللاجئين وقد خصصت مبلغ 15 مليون دولار لبناء ستة مخيمات لجوء. ازدادت كثافة الهجرة في مارس من السنة التالية متجهين إلى لبنان بسبب اضطراب الأوضاع في المدن والقرى المجاورة للحدود. ثم في إبريل من السنة نفسها افتتح أول مخيم في العراق.

 بتاريخ 12 أبريل، وتأثرا باتفاق الأمم المتحدة للهدنة ووقف إطلاق النار سجل عدد اللاجئين الأعلى في حينه حيث اجتاز اكثر من 2500 لاجئ الحدود السورية التركية. في نهاية يوليو 2012 تقرر إنشاء مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، تجدر الإشارة أنه في سبتمبر، أي بعد شهرين فقط من إنشاء المخيم حصلت اضطرابات واحتجاجات من اللاجئين احتجاجاً على ظروفهم، وقد عاد 6000 لاجئ إلى سوريا في ذاك الحين. يضم مخيم الزعتري اليوم قرابة 113,000 لاجئ، فيما تضم تركيا، التي سجلت أعلى نسبة لاستقبال اللاجئين السوريين عالمياً حيث سجلت بحلول نهاية يونيو 2015  أكثر من مليون نصف المليون لاجئ ( 1,772,535).

تكثر التفاصيل منذ ذاك الحين إلى اليوم خصوصاً إذا ما تحدثنا عن أوضاع اللاجئين منذ بداية الأزمة ومع تزايد أعداد اللاجئين وتعاقب الشتاء والصيف مروراً بشتاء 2013 الذي كان الأقسى منذ عقد من الزمان لتسجل مئات الحالات موتاً من البرد وليس انتهاء بصيف 2014 حيث سجلت أول حالة إصابة في شلل الأطفال في العراق، وليكثر الحديث عن خطر نقص التغذية على اللاجئين في لبنان.

·         أوروبا
حتى سبتمبر 2013 لم تكن أوروبا على خارطة اللجوء، لتقرر ألمانيا أول قرار يتعلق باللاجئين السوريين بأن تستقبل (5000) لاجئ لمدة معينة (سنتين فقط) على دفعات، كانت الدفعة الاولى 107 لاجئين فقط، وهو ما عدلت عنه في نهاية الشهر الماضي لتقرر أنها ستمنح اللاجئين السوريين حق اللجوء السياسي وأنها مستعدة لاستقبال ما يصل إلى 800 ألف لاجئ.[4]

وقد سبقتها في ذلك السويد التي أعلنت منذ 2013 أنها مستعدة لاستقبال اللاجئين السوريين وأنها ستمنحهم إقامة دائمة. مع نهاية يناير 2014 أعلنت بريطانيا أنها مستعدة لاستقبال اللاجئين.  وفي أول سبعة أشهر من 2014 عبر 87 ألف لاجئ المتوسط إلى إيطاليا. بين عامي 2011-2015 بلغ عدد اللاجئين في أوروبا بين 348,540 لاجئا، سجلت ألمانيا والسويد 47% منهم فيما تستقبل صربيا وكوسوفو وهنغاريا وأستريا وبلغاريا وهولندا مجتمعة 33%.[5]

إذا، لا بد من الإشارة هنا لحقيقة أن دول الجوار كانت سباقة في استقبال اللاجئين، وأن عدد اللاجئين في مخيم الزعتري وحده –مثلا- يبلغ ثلث عدد اللاجئين في أوروبا كلها. إنّ تسرّعنا في إطلاق تعميمات إيجابية أو سلبية أمر غير صحي. انقسم الناس بين من يصور أوروبا أنها حامية حمى اللاجئين السوريين ومن احتوتهم علما أنها لم تشرَع بذلك إلا بعد مرور أكثر من سنتين على الأزمة، بينما يرد فريق آخر أنها دول كافرة ويخلط بين سياسات هذه الدول المتراخية فيما يتعلق بأخذ قرار حاسم ضد بشار وبين موقفها مع اللاجئين الذي تتعدد دوافعه .
وكذلك الحال عند الحديث عن دول الجوار. غير أن لغة جلد الذات والاتهام والتخوين منّا أنفسنا غلبت حينما رأينا الخير الذي تجود به أوروبا. هل من الصعب علينا أن نقدر الخير كله دون أن نزايد على أحد لماذا أصبح "الأردني" مضطراً أن يدافع عن إنسانيته وعن إيمانه بدوره في نصرة "أخيه" السوري؟ ولماذا هذا الخلط المجحف بين ممارسات شعوب دول الجوار وبين دور الحكومات المخجل والبائس؟ وكلنا يعي حال حكوماتنا!

ممارسات الدول:
بالنظر لكل ما ذكر سابقاً، ، يتأكد أن دول الجوار كانت السباقة في استقبال اللاجئين بأعداد كبيرة لبنان وتركيا والأردن وحتى العراق، سواء كان هذا بإرادتها أو رغماً عنها، أعني بذلك تدفق اللاجئين غير المنظم عبر الحدود. ولكن، ينشأ هنا سؤال كبير حول ظروف وحقوق هؤلاء اللاجئين. بحسب المواثيق الدولية هناك حد أدنى من الحقوق التي يجب أن تكفلها الدول المستقبلة للاجئين، غير أن تجاوب الدول مع هذه المواثيق يختلف اختلافاً كبيراً لعدة أسباب منها الفساد الإداري والماليوهو ما ينتج عنه نهب الكثير من المخصصات المالية لتحسين أوضاع اللاجئين، إضافة لفقر الدول إقتصادياً واضطرابها سياسياً وتقويضها حرية اللاجئين في العمل والسكن.

يختلف الحال في أوروبا من مكان لآخر ومن حالة لأخرى، ويتغير كذلك بحسب القوانين التي تصدرها الدول كما اشرنا للحال في ألمانيا سابقاً. إن وصول اللاجئ صدفة أو جهلاً في قوانين الدول إلى دولة مثل هنغاريا أو مقدونيا تمنع استقبال اللاجئين وتفرض قوانين صارمة بحقهم يعني أن أوضاعاً لا إنسانية ستكون في انتظارهم: احتاجز في مراكز الشرطة، حبس في أقفاص حديدية، مطاردة وعنف في طريقة الاعتقال، إلى أن يتم ترحيلهم لدول تقبل استضافة اللاجئين.[7] على النقيض من ذلك يصرح رئيس وزراء فنلندا أمس السبت 5 سبتمبر أنه سيعرض منزله الخاص على طالبي اللجوء.[8] يختلف الحال في هذه الأخيرة إذا ما تمكن اللاجئ من تحصيل الأوراق الرسمية التي تفيد بحصوله على حق اللجوء، ولكن الطريق بين الوصول للدولة المستقبلة وبين الحصول على هذا الحق ليس سهلا ولا قصيراً، والثمن قد يكلف أرواحاً بالعشرات، والأطفال أكبر المتضررين.

هل الحكومات العربية مقصرة؟ بالتأكيد، غير أن تقصيرها في حقوق شعبها الأصلي سابق لتقصيرها في حق اللاجئين، وهنا تصبح الأمور مفهومة وإن لم تكن مقبولة.
وهل دول الجوار أولى من غيرها في استيعاب اللاجئين السوريين؟ قد أقول نعم من حيث المبدأ، غير أن الأمر يحتاج لدراسة جادة للموارد والطاقات، الخ.
هل في وسع أوروبا أن تقدم أكثرعلى الصعيد الإنساني؟ بكل تأكيد. وليس علينا، باعتقادي، أن نبالغ في خلط الدور السياسي بالإنساني. ولا بد أيضاً الإشارة إلى أن الكثير من التحسينات فيما يتعلق بظروف اللاجئين واستقبالهم متأثرٌ بآراء شعوبهم ومطالبهم.

ممارسات الشعوب:
غير أني منحازة لخيرية الشعوب، لخيرية الإنسان فينا. لنضع الأمور في ميزانها ولنلبس ثوب الموضوعية. القصص المؤثرة عن احتواء اللاجئين في الدول العربية وتركيا لا حصر لها في مختلف المجالات وعلى مختلف المستويات. غير أنه ومع تزايد الهجرة إلى الطرف الآخر من المتوسط "اكتشف" البعض إنسانية "الإنسان الأوروبي"، وهي ليست وليدة الأزمة، من خلال تعاطفهم مع الشعب السوري وحسن استقبالهم. إنني قد أخالف نفسي في تقسيم كهذا، فالنظرة الإنسانية للقضية وتحقيق المصلحة الأكبر للاجئين تستوجب منا أن نجعل الإنسان روحا وعقلا وجسدا هو العنوان بعيداً عن التقسيمات العرقية والإثنية.
إنني مدركة لوجود ممارسات سيئة وقصص مؤلمة وجور من القوي على الضعيف واستغلال الغني حاجة الفقير ، ولا يجب علينا إغفال هذا الجانب لأننا بذلك سنكون قد قبلنا وقوع الظلم على  أي أحد.
ما نحتاجه بشكل كبير في رأيي حملات توعية للمجتمعات في الدول التي تستقبل اللاجئين، وإحياء القيم الإنسانية فيهم من جهة، وتوعية للاجئين بحقوقهم من جهة أخرى. إضافة لذلك، لا بد من أن يكون هناك قانون يحمي اللاجئ ويكفل له حقوقه وإنسانيته ضد الممارسات الظالمة التي قد ترتكب في حقهم.


ماذا نفعل؟
آمل أن يكون عندي جواب شافٍ لسؤال صعب، الاستسلام عدمية ، بإمكاننا أن نفعل الكثير. سأحلم وأقول أننا لو تخلينا عن أنانيتنا وحققنا مفاهيم وقيم تحدثنا عنها طويلا سيكون الحال أفضل بالتأكيد. لو قدمنا من أوقاتنا  أكثر، لو تطوعنا مع جمعيات ومؤسسات لشهر واحد أو أكثر، لو اقتطعنا من رواتبنا أو مصروفنا الشخصي مبلغاً نكفل به قوت عائلة أو تعليم طفل، أو اجتمعنا مع فريق وأسسنا مشروعاً.  كل هذه أشياء جميلة ممكنة متاحة تتحقق إذا ما كان تفاعلنا مع القضية أصيل عميق في القلب والعقل، لعمل شيء مدروس ومخطط له بعلمية مضمون الاستمرارية وليس ردة فعل عابرة.
منذ صغري.. كنتُ أفضل أن أشتري كتاباً على أن آكل وجبة..
هذا ما قاله يوماً الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله. العظيم، أن هذا الشيخ الجليل لم يشتر الكتب ليقرأها أو يورثها فقط، بل عاشها وأحيا معانيها.
أكثر ما أفكر فيه هذه الفترة هي حاجتنا لأن تدب فينا وخصوصاً نحن الشباب أرواحاً مثل روح عبد الرحمن السميط، فشدة الزمن الذي نعيشه أكبر من ظنونا بأن القليل الذي نقدمه فضيلة.
قيم مثل البذل والتضحية والإيثار الحقيقي.. هي ما نحتاجه.. فالخطب جلل. الحزن وحده لا يجدي، والدموع لن تحيي الأمل.



الاثنين، 27 أبريل 2015

عن بركة القدس..

دائما رب العالمين بيكرمنا بعطايا منها الصغيرة وأخرى الكبيرة..
القيمة الأعمق لهذه المنح هو الشعور.. شعور السعادة والامتنان لله سبحانه..
والأجمل.. استشعارك أن هذا العطاء هو أثر شيء أنت تؤمن فيه بعمق.
القصة باختصار... صباح اليوم كنت في العمل وكان بنفس الوقت والمكان (كتارا) عندي نشاط مع رابطة شباب لأجل القدس واتنقلت بين العمل والنشاط.
غدا عندي مؤتمر.. ولأول مرة أقدم ورقة بحثية وهكذا.. وكالعادة للحظة الأخيرة.. لم أنته من التجهيز..
بعد العمل مباشرة عندي محاضرة بالجامعة..
وإنني بهالحالة المكوكية أود لو أن الوقت يباع لأشتريه (الوقت وكم كيلو تركيز)..
المهم.. بفتح ايميلي لاطبع الورقة اراجعها خلال المحاضرة. وإذ بي أفاجأ انه الكلاسات بالجامعة كلها تكنسلت اليوم..
فعلا حجم السعادة لا يوصف.. الثلاث ساعات تبعون المحاضرة غير مسافات الطريق كنت بحاجتهم جداً.
شكراً لك يارب.. على فضلك العظيم.. وعلى بركة القدس. 
*الصورة من نشاط اليوم





الخميس، 9 أبريل 2015

لقاء مُلهِم مع الدكتورة فاطمة الصمادي


-"قبل أن تفكر في إدخال الناس النار، فكر كيف تدخل نفسك الجنة". #علي_شريعتي 

-ألقي نفسك في أمواج الله. 
- لا يهم من تكون، تعال يا أخي لنتكلم عن الله.#جلال_الدين_الرومي 

-"الأشجار تنمو بالماء، والقلب ينمو بالدعاء." 

-السعادة تكمن في التجربة 
-الإنسان علامة سؤال، إذا لم يكن قادراً على السؤال، لن يتعلم. 
-"المياه الراكدة تتعفن"
- "الوعاء المقلوب لا يمكن أن يمتلئ!" ؛ لذلك كن منفتحا دائما 

"لا تجزع من جرحك.. وإلا كيف للنور أن يتسلل إلى قلبك.".

......
جلال الدين الرومي.. المسيري. علي شريعتي.. 
إيران.. الاردن. أمريكا. إيطاليا. 
الحب الشغف البحث المعرفة السفر الجرأة المغامرة الأمل الانفتاح التسليم.. القلب السليم. السعادة 

كل هذا الجمال وأكثر وأكثر.. 
أهداني الله إياه الليلة.. 

د. فاطمة Fatima Smadi شكراً لقلبك وعقلك وروحك على هذا اللقاء الاستثنائي. 

السبت، 28 مارس 2015

"في حضرة الغياب"



لم أكتب يوماً شيئا عنها.. رغم أنها الأكثر استحقاقاً لكلمات الامتنان.. 

رواء تكبرني بسنة وثلاثة عشر يوماً.. كل أحداث حياتنا المميزة تشاركناها معاً...بلد الميلاد.. الروضة.. المدارس المختلفة.. في البلدان المختلفة.. رحلاتنا من وإلى الجامعة...
وبينها..نوادي ومراكز الطفولة.. مسابقات القرآن.. مسجد الملك فيصل .. مسجد النور.. القيام ورمضان و التسابق (والغش أحياناً) في ختمات القرآن... المهرجانات...النشيد والدف والدبكة..
اللعب في "البسكليت" .. والقفز عن سور الحديقة.. وعصير لاكنور موز بحليب وشيبس بيبي سناك .. 
الشوكولا الساخنة والشاي هما المشروبان الوحيدان اللذان نشربهما أنا وهي.. ووصلنا لنتيجة أن ألذ هوت شوكليت على الإطلاق هي في كاريبو.. 

كل شيء تشاركناه معاً... كل شيء 

....
غالباً، وحتى اليوم، مازال الناس.. حتى أقرب أصدقاء العائلة يختلط عليهم اسمينا.. في المدرسة: أوقفت المعلمة الحصة ذات يوماً لتقول لي: "ازاي انتِ هنا؟ مش انتِ كنتِ في صف حادي عشر.."
وأوقفتنا معلمة أخرى مرة ونحن نسير معا في ساحة المدرسة: "أنتو التنتين.. تنتين؟ يعني مش واحدة؟ كيف هيك؟"

وغيرها الكثير من المواقف التي كنا ننفجر ضحكاً منها... 
.....
أنا ورواء نسجنا كل ذكرياتنا معاً.. 
وكذلك .. أحلامنا وطموحاتنا وخيالاتنا... صورتنا عن المستقبل.. 

ومن أحلام طفولتنا المجنونة.. أننا أول مرة عرفنا فيها عن "التوأ السيامي" قررنا أننا بالتأكيد سنرتبط بتوأم سيامي كي لا نفترق عن بعضنا أبدا!! 
بعد ذلك.. تبين أن الأمر مستحيل.. 
فقررنا أننا بالتأكيد سنعيش دائما في نفس البلد ..أيا كان هذا البلد.. وسنكون جارتين جميلتين.. (اليوم أقول أنني بالتأكيد سأعتمد عليها في وجبة الغداء وأنا سأعد لها سندويش الإفطار والعشاء).. 

*طبعا. مذ رأينا صوررة للتوأم السيامي.. كنا نستهبل حتى بعد ان كبرنا ونلصق رأسينا ببعضهما.. وقدمينا كذلك ونسيرمعا بخطوات متشابكة...
.......
قضينا آخر 4 سنوات لنا في الإمارات ونحن نتأهب كل صيف أن نسافر دون عودة.. 
وكنا بعد نقاشات تحديد المصير مع بابا وماما.. ننزل أنا ورواء دائما للبحيرة نسجل فيديو لنا معاً ونسرد فيه ذكرياتنا ونصور الأماكن التي سنحفظها في الذاكرة. 
ذاك الكرسي، تلك الشجرة، جسر "الفردان" ، حديقة المجاز...الخ الخ 
.....

ومن تقادير الله العجيبة أنه حين انتقل أهلي للإقامة في قطر كان قد بقي لي سنة واحدة في الجامعة.. وكانت أختي روااء قد تزوجت في ذات الصيف.. 
ماما كانت تقول دائما أنها لن تغرّبنا أنا ورواء بعد استيائها من تجربة تغريب أختينا إباء ووفاء للدراسة.. 
ولكن قدر الله غالب..ووضعها ووضعنا أمام قدر صعب تحفه ألطافه سبحانه.. 

وفي يوم تخرجي من الجامعة.. لم يكن معي أحد من عائلتي ،لا بابا ولا ماما ولا أي أحد من أخواتي، إلا رواء.. 
كانت في شهرها التاسع، وكان قيظ يونيو واختناق المكان عذراً كافيا لها لتغيب.. ولكنها كانت هناك من أجلي.. كما هي دائما .. منذ طفولتنا وحتى اليوم.. 

حتى عندما عدت للشارقة في زيارة (مفاجأة لرواء - والحديث عن تفاصيل المفاجأة وترتيباتها يحتاج تدوينة خاصة) لاستلام شهادتي الجامعية.. أتت هي معي لنستلم الشهادة معاً وتكون من حديد شاهدة على محطة جديدة من أهم محطات حياتي. 

كانت سنة غربتنا المشتركة القدرية سبب رباني آخر لتوثيق عرى علاقة استثنائية. 
.....

رواء.. تأخذ بيدي وتأخذ على يدي.. 
كانت دائما في صفّي حتى أمام والدينا.. ولو لم تكن مقتنعة تماما فقد كانت تسرّ لي برأيها وتشد عليٌ وتعاتبني ولكن فيما بيننا فقط.. كي لا تضعف موقفي وحجتي. 

...

لم يمضِ زمنياً وقت طويل على آخر مرة زارتنا فيها رواء.. الأمور كما قيل، ليست بعداد الزمن وانما بعداد المشاعر.. 
اليوم.. وكل يوم أفقتد رواء كثيراً.. 
وأحتاجها كثيراً..

يعز علي أن تغيبَ هي عن تفاصيل يومي وأغيب أنا عن تفاصيل يومها.. 

كل القرارات الصغيرة جدا.. والكبيرة جداً.. كنا نأخذها معاً ونتناقش ونحلل ونتشاور.. 
اليوم... ومنذ سنة ونصف.. تغيرت الأشياء.. وحالت بيننا لعنة المسافات.. 

وسأغني كما كنتُ أغني مع رواء دائما:
لن تباعدنا أيها السفر.. نلتقِ يوماً وفي الدنيا قمر 

**رواء هي كما كانت دائماً.. أجمل أخت..وهي اليوم أجمل أم لأجمل لطفلة (ريم - التي ولدت في نفس شهر ميلادي، بل يفصل بين يوم ميلادي وميلادها يوم واحد فقط) 
ومتفرغة لمراجعة حفظها لكتاب الله.. فادعولها ربنا أن يعينها..

*** لا يوجد سبب "منطقي " لكتابة هذا ونشره اليوم.. غير أنها الجمعة.. لاستحضار الأشواق.. 
وبعض الاشتياق جارف...

**** كنتُ دائما على يقين أنني محظوظة بأن تكون أختي من أبي وأمي هي حقيقة أختي في الله...واليوم ازداد يقينا بذلك ألف ألف مرة. 
--------
يبدو يارواء أن كتابة تدوينة عنّا أمر صعب.. 
أكثر مما تخيلت


الجمعة، 20 مارس 2015

"إني نذرتُ للرحمن صوماً"


قال تعالى على لسان زكريا عليه السلام: 

{قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً * فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً}

وكذلك في قوله تعالى: 
"قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ "

وأمر سبحانه وتعالى مريم عليها السلام فقال: 
(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا )

مذهل ارتباط الصوم عن الكلام بقصتين عظيمتين.. بمعجزتين عظيمتين... 
شيخ يرزقه الله طفلا -نبياً- وليس أي طفل، بعد أن شاب شعره وبلغ من الكبر عتياً..
وامرأة تحمل وتضع مولودا -رسولا- ليس أي مولود، دون أن يمسسها بشر.. 
ويكون الأمر الإلهي لزكريا ومريم عليهما السلام.. أن صوما عن الكلام.. هذه آيتكما.. آية على آية..
حقيقة، أفهم تماما أن خطباً جللاً عظيما كهذا يحتاج انقطاعاً عن بني البشر.. عن كل ما من شأنه أن يشوه التأمل في عظمة المشهد وقدسيته..
هل كان الأمر بالصيام عن الكلام لأنهما سيحتاجانه ليتقويا به أمام هذه العظمة؟ أم كان الأمر به ليستحقا هاتين المعجزتين؟ 

الجميل.. أن الصوم عن الكلام ليس غاية بذاته... أو هكذا أفهمه..
إنه الفرصة الحقيقة لتهميش كل الشتات الأرضي.. كل المألوف والعادي.. والانتقال تدريجياً لفضاء سماوي أرحب وأطهر وأنقى.. 
ودرجة من هذا السمو والارتقاء لا تتأتى إلا بالانعزال عن عالم البشر بروحك وفكرك.. ولو كنت بينهم بجسدك. 

ثم إن الأمر بالصيام لم يأتِ منفردا في قصة زكريا مثلا.. بل جاء مباشرة في نفس الآية أمر بالتسبيح "بكرة وعشياً".. بل وحث الناس على ذلك "فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً"

******
التأملات في ظلال هذا المشهد عظيمة..
وحصل أنني منذ مدة ليست بالقصيرة وأنا مفتونة بهذا الأمر الإلهي والتجربة النبوية البشرية العظيمة... ونويت أن أخوض التجربة. 
منذ بداية هذا الأسبوع ، وبالنظر لظروفي، قدرت أن يوم الخميس هو الأنسب. 
حقيقة... توقعت الأمر أهون من ذلك.. 
ولكنه كذلك أجمل مما ظننت..
له حلاوة :")..

يمكنني القول أن التجربة نجحت إلا من بعض الاضطرارات الصعبة.. 
وأصعبها على الإطلاق سؤال بر الوالدين أمام إنجاح هكذا تجربة. 
لقد كان أول اتصاااال تلقيته من الوالد الله يحفظه: وردة فعلي وانا أرى شاشة الهاتف انه: لااا بابا أرجوك. 

أما في العمل.. كنت محظوظة جداً اليوم.. لم أحتج أن أتواصل شخصيا مع أحد.. وصديقتاي بالمكتب تعاونتا معي. 

وأنور، قدس الله سره، حفظ طلبي من الشاي بالنعناع والشاي الأخضر. 🙈

*******
المهم.. أن التجربة استثنائية حقاً. جميلة جداً..

وبكل تأكيد تستحق التجربة والتكرااار.. 

*ملاحظة: ستكون محظوظاً جداً إذا كنت محاطاً بمن يقدرون قدسية هكذا تجارب. 


الأحد، 7 ديسمبر 2014

برفقة جبرا في شارع الأميرات



بصحبة جبرا



في "شارع الأميرات"





لم أحدد بعد علاقتي مع السير الذاتية بشكل عام، ولكني غالبا ما أتحاشى قراءة السير الذاتية لأصحابها وهم على قيد الحياة. الراحلون، حتى وإن لم نكن قد عرفناهم أو التقيناهم قط، تبقى لعلاقتنا معهم نفحة براءة وعفوية وصدق، وهم في النهاية عند الله، عند مصدر الرحمة والعدل في هذا الكون الغارق في القسوة والظلم، لذلك أشعر أنه من المعيب أن لا أحبهم! أو على الأقل، لا يليق أن أكرههم. وليس هناك احتمال أن يقترفوا حماقة اتخاذ موقف مشين من الأحداث المتسارعة التي نعيشها والتي سقط فيها من سقط. فالراحلون على الأقل، لن يفاجئونا بصدمة أو خذلان جديد 


أبلغتني صديقتي قبل يومين أنها التقت جبرا في"شارع الأميرات"، وقد تحمست لمشاركتها التوقيت في قراءة الكتاب لنناقشه معاً. وقد كان.


شارع الأميرات"، أو شارع المشّائين، أول لقاء لي بجبرا إبراهيم جبرا، الأديب الفلسطيني/العالمي المعروف.  وليست كل المعارف متشابهة، ولكنها متفاوتة في عمقها وموضوعيتها. كنتُ أعرف اسمه ولا أعرفه! لم أقرأ عنه أو له أي شيء. وكنت أعرف أيضاً أنه اسمٌ لامع مشهودٌ له بأنه ترك بصمة في عالم الأدب، غير أني لم ألتق به قبل يوم أمس، وهو ما أعتبره اعترافاً لا بد منه مهما كان مخجلاً، يشفع له المثل القائل: "كل تأخيرة فيها خيرة!". وقد لمست هذه "الخيرة" في الوقع الاستثنائي لـ "شارع الأميرات" في قلبي وعقلي.


يدّعي جبرا في" شارع الأميرات" أنه يتحدث عن عامين من أهم سنوات حياته، إذ كان فيهما لقاؤه بالسيدة "لميعة" التي التقاها في بغداد وأحبها، وثم تزوجها لاحقا بعد قصة ظريفة. يستحيل على شخصية موسوعية التجارب مثل جبرا أن لا يذهلك بربطه لأحداث وتجارب خارج حدود هاتين السنتين الزمانية، ولكنها ارتبطت بشكل ما بـ "شارع الأميرات"، وبالأميرة/ أعني السيدة لميعة.


لقد استغرقت مني قراءة الكتاب يوماً واحداً، فعندما تقرأ كتابا له سطوة على النفس، فإن الحل الأمثل أن تنهيه في أسرع وقت ممكن، لأنك ستحتاج أضعاف هذا الوقت للتعافي من أثره. قضيت ثلاث ساعات ونصف منها في زحمة شوارع "الدوحة" وأنا مشدوهة مع قصص جبرا. قرأت دون توقف، وحدث أنني هممت بالتحرك عندما أضاءت الإشارة الخضراء وإذا بالسيارة ترجع للخلف! أوه.. المعذرة.. إنني أقرأ "شارع الأميرات".


أعترف أنه ضرب من الجنون أن تقرأ كتاباً، فضلا عن أن يكون لجبرا، أثناء قيادة السيارة. أسجل امتناني لحامل الهاتف في السيارة الذي ساعدني لإتمام المهمة والعودة للبيت بسلام.


أثارني جبرا - لسبب ما كلما كتبت اسمه رحت أدندن: جفرا عتابا زريف الطول!- ، أذهلني هذا الشاب الفلسطيني المتقد بهذا المقطوعة من سيرته. إنها المرة الأولى التي أقرأ فيها لفلسطيني لا يأخذ التعتير والمعاناة والكدح النصيب الأكبر من سيرته. لا أدعي أنهلم يعاني الأمرّين في حياته، ولكن شخصيته المنطلقة الوثابة لم تكن لتستعذب الحديث عن المعاناة، بينما يمكنها الحديث دون توقف عن مغامرات ونشاطات وتجارب مثيرة.  لقد برع في تحاشى المأساوية، التي لا تليق به على أية حال، كما أثبت براعة في تخطي المواقف الصعبة في حياته بلياقة. 


وقد عرّج بجمال، مكتنف للوجع، في وصفه حال الفلسطينيين. قال: "في اليوم التالي رسمت بالألوان الزيتية المشهد البحري من خلال النافذة، مركزا على البيوت الحجرية المتنائية، التي هي من أروع ما يرى المرء أحياناً على سواحل بيروت، بل سواحل لبنان كلها.


قلت: انظر، ثيو، إلى تلك الأسلاب التي يتقاذفها الموج... نحن الفلسطينيين الآن مثلها، تتقاذفنا أمواج العالم، تقارب بيننا حين نتعانق، ثم تفرق بيننا بعنفها، فنتطاير في ألف اتجاه، ولا نعلم إن كانت ستعود يوماً وتجمعنا، ولو بعنفها، مرة أخرى.."


ومازلنا حتى اليوم يا جبرا، نحن الفلسطينيين، وزد علينا العراقيين والسوريين والمصريين، بل كل حرّ صاحب فكرة في بلادنا العربية، مازلنا تتقاذفنا الأمواج التي لا تريد أن تهدأ يوماً.


يمثل كاتبنا شريحة من الشعب الفلسطيني، ستلتقيها عندما تقرأ "شارع الأميرات"، عاشت في وسط يعج بالفنانين والأدباء والمعماريين العريقين سواء وهم في فلسطين أو في غربتهم في املهجر أو بغداد أو بيروت. هذه الفئة تختلف تماماً عن الفئة التي عرفتها من خلال سير ذاتية وروايات تاريخية ملحمية ضجت بالألم والمعاناة. ومع تقديري لهذا التفاوت الذي يستحق التأمل، فقد كان ملفتاً بالنسبة لي أن يمر جبرا في هذا المقطع من سيرته مرور الكرام على النكبة الفلسطينية، أن لا يرسم صورة لمشهد الهجرة، أن لا يذكر من عاشوا ضنك الترحال من القرية للمخيم مشياً على الأقدام الحافية.


يصف جبرا نفسه أنه من معشر المشائين، الذين يعشقون مسافات كبيرة رياضة للجسد ورياضة للعقل والفكر، "فيجعلون الأولى وسيلة للثانية"، "فتاتيه الأفكار على إيقاع السير، وتتهادى الذكريات، وتتسارع الخواطر". ويضيف، "يسعدني أن أقول أنني، ومنذ بداياتي، من عشيرة هؤلاء المشائين. ففي طفولتي وحداثتي، حتى سن الخامسة عشرة، لم أركب عربة أو سيارة إلا مرات معدودات متباعدات. وكانت روحاتي وعوداتي إلى الدار والمدرسة على القدمين."


لقد كانت هذه العادة ملازمة له حيثما ذهب، من القدس لانجلترا، وفي  بغداد. ومن هنا كانت تسمية هذه المقطوعة من سيرته بـ "شارع الأميرات"، وهو الشارع الأبرز في بغداد، الذي مشى فيه لساعات طويلة تفتقت فيها أجمل الأفكار وولدت فيها بداية أجمل الروايات والقصائد التي كتبها.


كان طبيعياً جدا أن يسرقني جبرا من عالمي الوليد، إلى عالمه الناضج في حديثه عن تجاربه الأكاديمية المتميزة. فبعد دراسته في القدس، حصل جبرا عل منحة ليدرس في جامعة اكستر في انجلترا، ومن اكستر انتقل لجامعة كمبردج ونظراً لتميزه الملحوظ، فقد سعى مسؤول هيئة المعارف بالقدس آنذاك، سعى لأن يحصل جبرا على منحة ليكمل الدكتوراه في كمبردج ولكن جبرا رفضها لأنه كما قال وقتها، لا يريد أن يقضي ثلاث سنوات إضافية من عمره وهو يحلل ويدرس ما كتبه شخص ما، إنه يريد أن يتفرغ ليكتب ما أفكاره وأدبه الخاص. ثم انتقل إلى بغداد ودرس فيها، وبعد ذلك بسنوات انتقل إلى هارفرد. أن يتوزع العمر، والتجربة الأكاديمية، من القدس إلى كمبردج، فبغداد، ثم هارفرد، إن هذا لشيء عظيم حقاً. ولا أدري هل هذه التجارب هي من صنعت جبرا، أم أنها صُنعت لأنه جبرا!


الانطلاق والإقبال الكبير على التعرف على كل جديد، والشغف، الشغف للتعلم بلا حدود، والجرأة للتجربة، كل هذه الصفات ميّزت جبرا وأصدقاءه بدرجات متفاوتة. فما كان لذلك الحماس وهذا الاتّقاد إلى أن ينتج أمثاله وأمثال بدر شاكر السياب ووليد الخالدي وغيرهم من الأدباء والفنانين والمفكرين الذين عرفناهم كباراً، ولكن البذرة كانت قد غرست منذ زمن، قبل أن نولد نحن، أو آباؤنا!مذهلة تلك التوليفة التي عاشها. فمثلاً، قد درّسه في الابتدائية  في القدس الشاعر إبراهيم طوقان، وعندما كبر جبرا ودرّس في بغداد: كان من طلابه الشاعر بدر شاكر السياب


ومن المواقف المدهشة في "شارع الأميرات" اللقاء الأول لجبرا بالسيد والسيدة "مالوان" بعد فترة قريبة من وصوله لبغداد. قال جبرا عن ذاك اللقاء:"وشعرت أنني حتى تلك اللحظة. وقد دخلت التاسعة والعشرين من عمري. مازلت أصارع تلك الحمى الرهيبة. حمى الكتابة. منذ مراهقتي ولكنني لم أنجز إلا روايتين قصيرتين لم أنشرها وبضع قصص قصيرة بعضها لم يتكامل بعد. وكثيرا من الشعر أحتفظ بمعظمه لنفسي. وعددا من المقالات إضافة إلى ما كنت أذيعه منها بالراديو بدأت أنشرها في الأشهر الأخيرة ولكنها لا ترضي كثيرا وقلت لنفسي حين شرعنا بتناول العشاء أن الشخص الوحيد في تلك الغرفة الذي لا يعاني من حمى الكتابة ولا يعرف تاريخها وعذاباتها باستثناء الخادم الذي كان يأتينا بأطباق الطعام باحترام كبير هو المسز مالون حسبها أنها تثير هذا النقاش حول الاحداث المعاصرة والغابرة وطبائع البشر وتكتفي بأن تحوك بولوفر لزوجها(الأصغر منها سنا. حتما)تقيه البرد وهو يستعرض الطبيعة القاسية وهو يستخرج بعناد المحب شواهد التاريخ وأسراره المحجوبة في الأعماق من تلال الشمال".


ولكن الحقيقة المفاجئة التي اكتشفها لاحقا عن هوية السيدة مالوان أذهلته. يقول: "لتقيت ماكس مالون وزوجته بعد ذلك مرة أو مرتين في مناسبات عامة. ولفت نظري ان السيدة مالون شديدة اليقظة لما يجري حولها , ولمن ترى من أناس وفي شهر نيسان من ذلك العام 1949 أقيمت حفلة تمثيلية باللغة الانكليزية في قاعة الملك فيصل الثاني (قاعة الشعب حاليا) … وفي تلك الحفلة في فترة الاستراحة خرجت مع رفيق لي إلى قاعة المرطبات كغيري من المتفرجين وإذا نحن أمام مالوان وزوجته نشرب القهوة ... ولما عدت إلى الكاونتر لأضع عني فنجان القهوة قابلني دزموند ستيوارت وسألني متفكها هل وجدتم حلا للجريمة؟ لم أفهم قصده وقلت أية جريمة؟ أجاب: جريمة من اختراع السيدة التي رأيتك تتحدث أليها.


فقلت: أسف لا أفهم قصدك.


قال: ألم تكن تتحدث إلى اغاثا كريستي؟


أدهشني سؤالك وحسبته مازال يتندر وقلت ببساطة: كنت أتحدث إلى ماكس مالون وزوجته وهتف ظننتك تعلم المسز مالون هذه هي كاتبة الروايات البوليسية أغاثا كريستي.


-. مستحيل!!.


-. أذهب أليها وتأكد..ولكن أفراد الجمهور بانتهاء فترة الاستراحة كانوا قد عادوا إلى مقاعدهم في المسرح وعدت إلى مقعدي وأنا لا أصدق ما سمعت أهذه حقا أغاثا كريستي التي قرأت لها الكثير من الروايات البوليسية منذ سني حداثتي أزورها وأناقشها ولا يخطر ببالي لحظتين أنها أمسكت يوما قلما بيدها لم استطع متابعة النصف الثاني من المسرحية في انتظار نهايتها وبدت كأنها لن تنتهي إلى ان أسدل الستار أخيرا وتحرك الناس مغادرين مقاعدهم بعد التصفيق بينما تركت رفيقي وأسرعت من بينهم باحثا على المسز مالون إلى أن لمحتها عند الباب الخارجي واقفة مع زوجها بانتظار سيارتهما ذهبت أليها وسألتها مباشرة , هل أنت حقا أغاثا كريستي؟ ضحكت السيدة الفاضلة وأجابت ببساطة , نعم. قلت: يؤسفني جدا أنني لم أكن اعلم بذلك.  قالت: أحسن! أحسن! متى تزورنا في نمرود؟."




ربما كانت موهبة جبرا الأدبية والفنية الاستثنائية هي السبب في جعله ضمن الطبقة الأكثر تميزا ورقيّاً بين معاشر الأدباء والفنانين من شتى الجنسيات والأديان. وحيثما ذهب، كانت له "شلته" المثيرة، وفي بغداد كانت له عدة شلل، استطاع أن يكون عنصراً مهما فيها جميعاً. يصف تلك الفترة في بغداد تحديدا فيقول: "وفي مناسبات كتلك كنت ترى حولك معظم مثقفي بغداد من عراقيين وأجانب لأن المدينة لم تكن بعد قد اتسعت كثيرا عمرانا وسكانا وكان المرء يشعر أنه يكاد يعرف كل من يستحق أن يعرف في المدينة وأنه بالمقابل معروف لديهم جميعا. وكان أساتذة الكليات والخريجون الجامعيون القلائل بالنسبة لما تحقق بعد ذلك بعشرين سنة تجمعهم بأعداد كبيرة المناسبات الثقافية كالمحاضرات العامة أو المعارض الفنية على ندرتها أو حفلات الموسيقى الكلاسيكية التي تقدمها الفرقة السمفونية العراقية الناشئة أو المسرحيات التي تقدمها بوجه خاص الفرق الزائرة." جبرا نفسه كان متعجباً من قدرته على التوفيق بين "التزاماته" الاجتماعية أو بالأصح لهوه الاجتماعي، وصعوده المستمر في سلم التميز في الأدب والرسم، وقال: لقد كان في يومي أكثر من 24 ساعة!


قادتني قراءة هذه اللمحة إلى التفكير في الترهل والتأخر الذي نشهده عند الإسلاميين اليوم. أين المتميز منهم في كل ميدان؟ وهذا موضوع واسع يستحق أن يفرد في مقالات خاصة، ولكني أرى أن الشباب الإسلامي غالباً ما يستنزفه ويحد من إبداعه وانطلاقه محكوماً بهاجس الخوف، الخوف من الآخر المختلف، من تجربة الجديد، من الانجراف والانحراف! كل هذا من شأنه أن يكبح جماح الإبداع والانطلاق، ويستنزف الجهد والوقت والطاقات في محاولات "تثبيت" المرء لنفسه. أعتقد أننا نحن الشباب بحاجة لمراجعة جادة لتعاطينا مع البيئة "الخارجية"، وأسلوب تفاعلنا مع كل جديد، تحديدا ونحن نرى أن نسبة الاغتراب تزداد. كم لهذه التجارب، تجارب الاغتراب، على قسوتها، كما لها لأن تثمر الكثير من الإنجازات لو استغلت بالشكل الصحيح.


لم يعش جبرا وأصدقاؤه منفصلين عن مجتمعاتهم، بل كانوا مدركين تماماً لمفهوم "الأمة" العميق، وواعين أيضاً لدورهم المفصلي في إنعاشها، بطريقتهم على الأقل، يقول جبرا


"كان ثمة إحساس في مطلع الخمسينات عند شباب الأدباء في بغداد، وكذلك، في بيروت ودمشق والقاهرة، بأن الجديد الذي بات عليهم أن ياتوا به إنعاشاً لروح أمة مهددة من كل صوب، يعطيهم الحق ف أن يفرضوا نزاعاتهم الفكرية الإنقلابية، إن هم اقتنعوا بمواهبهم المغايرة، على وسائل النشر السائدة يومئذ، رغم قلتها بالنسبة لما تحقق منها في العقود اللاحقة، دونما اعتذار لأحد من سابقيهم، متوقعين لأنفسه، حتى وهم في بدايات الطريق، تلك الإنجازات التي ستجعل من جيلهم المغيّر النفسي والفكري الأهم في المجتمع العربي."


وأعتقد أنه كان لهم ما أرادوا فعلا.


إن الأجواء التي صنعها هؤلاء الشباب لأنفسهم آنذاك كانت مميزة بلا شك. تقبلهم لتعدديتهم، ولاختلاف أفكارهم ومنطلقاتهم وتوجهاتهم، كل ذلك كان ينم عن مستوى عال من الوعي، وقدر كبير من الذكاء.  


"ذات يوم اقترح علي دينس خطة ماكرة للإيقاع بصديقنا بلند. قال: (اكتب قصيدة غريبة، غريبة جدا بصورها ورموزها ولغتها، واملأها بإشارات فلسفية ومصطلحية مما يتردد في كتابات الوجوديين، ولنزعم أنك ترجمتها عن سارتر نفسه، عن طريق الانكليزية.)


وجلسنا معا في غرفتي وكتبت "القصيدة" المزعومة، وشحنتها بغرائب القول، مستعيناً أحياناً بأسماء وهمية يبتكرها دنيس، قبل أن يجيئنا ذلك المساء بلند ونجيب المانع وزهدي جارالله...
"مخالب الليل في أشلاء الشوارع
تنهش، والنوافذ تدمى بمآق من حديد..."
قرأت ما كتبت، مع شيء من التنطع المفتعل في الأداء، قافزاً بين حين وحين إلى الهوامش التي في أسفل الصفحة، لأقرأ شرحاً وضعه "المؤلف" نفسه لبعض المغلقات وأسماء الأعلام التي أوردها في المتن. وكان إصغاء الجماعة جاداً حميقاً. وشعرت في تركيزه أن لكلماتي وقعاً غير عادي جعل يهزني أنا رغما عن إرادتي، وأنا أفتعل تلك الجدية "الوجودية" راجياً أن يهز المستمعين أيضاً.


عندما فرغت من القراءة، كان هناك صمت لبضع ثوان، قطعه بلند بقوله: جميل، وغريب، غريب جدا... هذه القصيدة غريبة جدان لأنها تشبه رسومك، كأنها خارجة من لوحاتك أنت. رموزها، وتفاصيلها، رأيتها، أو رأيت مثلها، في رسومك في السنتين الأخيرتين."

أحسست كأنه اكتشف اللعبة، ولكنه اكتشف أيضاً علاقات ذهنية فضحتها صور القصيدة، لاسيما عندما أضاف: "إذا كانت هذه قصيدة وجودية، مهما يكن المعنى الذي نريده لها، فإن لوحاتك وجودية، ربما دون أن تدري.."
في تلك الليلة حذفت أكثر من نصف القصيدة المختلقة، وما بقي منها كان هو الحقيقة التي لا يستطيع أي عابث اختلاقها.. وعنونت النتيجة بـ "أغنية لمنتصف القرن" ...  بعد يومين أو ثلاثة، أتيح لي أن اختلي بلميعة، لأروي لها قصتنا مع بلند. وقرأت لها القصيدة بصيغتها النهائية، فقالت: غزلك مخيف! لن يصدق من يراك ويتحدث إليك أن نعومتك الظاهرة هذه تخفي في ثناياها كل هذا الرعب.."
قلت: اذن إليك قصيدة من نوع آخر.."
وناولتها قصيدة كنت قد كتبتها بالانكليزية أصف فيها يديها الصغيرتين البديعتين، سرين من أسرار سحرها، .. وقالت: اقرأها لي، أريد أن أسمعها بصوت...
وكانت تلك بداية لقراءات لن يحصى عديدها في قادم الأيام تريد أن تسمعها دائما بصوتي"


عند الحديث عن جبرا، يصعب على المرء أن يعرف من أي مفصل يبدأ وعند أي مشهد ينتهي. الكثير من الجمال، والفن والحب المرسوم بألوان زيتيتة، أو وموزون في قافية شعرية، أو هائم في رواية أدبية. العديد من المغامرات والتجارب المؤثرة والعميقة، وعالم أفكار من نقاشات الفلسفة الوجودية، وصولاً إلى اعتناق الإسلام.  


أظن أن النهاية الأجمل تكون عند المقطوعة التي من وحيها خطّ جبرا "شارع الأميرات". لقد كتب جبرا "شارع الأميرات" من ليؤرخ لحقبة مهمة من حياته عنونتها "لميعة" ورسم تفاصيلها حبه لها. والحديث عن هذه المقطوعة  صعب عليّ. سأقول فقط ما قاله جبرا عن اليوم الأهم في حياته: "لم أعرف قط حتى ذلك اليوم، زواجاً كزواجنا يتحقق بمشيئتنا نحن فقط، لا بمشيئة أي إنسان آخر. ولما دخلنا إلى مبنى المحكمة القديم، شعرت كم هي عادلة وإنسانية هذه الشريعة التي لا تطلب، تحقيقاً لعقد قران بين رجل وامرأة، سوى موافقة الواحد على الآخر، وشاهدين اثنين على ذلك".